HORIZON EMIRATES
المالية

النفط يقفز والأسهم تتراجع: عوائد السندات عند أعلى مستوياتها منذ سنوات تعيد رسم خريطة المخاطر

قفزت أسعار النفط (WTI بنسبة 3.6% وبرنت 4.1%) وسط توترات الإمدادات المرتبطة بإيران، لتغذي التضخم وتوقعات رفع الفائدة؛ وأغلقت الأسهم الأمريكية على انخفاض بينما لامست عوائد السندات لأجل 10 سنوات مستوى 5.34%، وزادت مخاوف ديون التكنولوجيا بعد تقارير عن سعي Broadcom لجمع 50 مليار دولار لصالح OpenAI.

<p>أنهت الأسهم الأمريكية تعاملات يوم الخميس على تراجع، بينما واصلت أسعار النفط صعودها الحاد وعوائد السندات تحليقها قرب أعلى مستوياتها منذ سنوات، في مشهد يعيد إلى الأذهان حلقات التشديد النقدي السابقة. فقد أغلق خام غرب تكساس الوسيط (WTI) مرتفعاً بنسبة 3.6%، وقفز خام برنت بنسبة 4.1%، مواصلاً موجة صعود دفعت أسعار النفط الأمريكية للارتفاع بأكثر من 60% منذ بداية العام، في ظل تصاعد التوترات المرتبطة بالحرب مع إيران ومخاوف تعطل الإمدادات العالمية.</p><h3>سلسلة النفط – التضخم – الفائدة تعود إلى الواجهة</h3><p>المعادلة التي تحرك الأسواق هذه الأيام بسيطة في ظاهرها ومعقدة في تداعياتها: ارتفاع أسعار الطاقة يغذي التضخم، والتضخم المرتفع يدفع مجلس الاحتياطي الفيدرالي إلى إبقاء الفائدة مرتفعة أو رفعها أكثر، والفائدة المرتفعة تضغط على تقييمات الأسهم، لا سيما أسهم النمو والتكنولوجيا. ومع تجاوز عوائد سندات الخزانة الأمريكية لأجل عشر سنوات مستوى 5.34%، وهو من أعلى المستويات المسجلة منذ سنوات، أصبحت السندات منافساً جدياً للأسهم في جذب رؤوس الأموال، إذ يحصل المستثمر على عائد مضمون يتجاوز 5% دون تحمل مخاطر تقلبات سوق الأسهم.</p><p>وزاد من قتامة الصورة ما كشفه محضر اجتماع مجلس الاحتياطي الفيدرالي لشهر سبتمبر، الصادر يوم الأربعاء، والذي أظهر أن غالبية المسؤولين يرون أن رفع الفائدة مرة إضافية قبل نهاية العام قد يكون مناسباً. وتترجم الأسواق هذا التوجه حالياً بتوقع إبقاء الفائدة دون تغيير في اجتماع أكتوبر، مع احتمال يبلغ نحو 70% لرفعها في ديسمبر. كما ساهم صعود الدولار، المستفيد تقليدياً من فوارق العوائد المرتفعة، في زيادة الضغوط على الأصول المقومة بالعملة الأمريكية وعلى أرباح الشركات متعددة الجنسيات.</p><h3>مخاوف الديون التكنولوجية: Broadcom وOpenAI في دائرة الضوء</h3><p>وفي تطور أثار قلق المستثمرين، أفادت صحيفة وول ستريت جورنال بأن شركة Broadcom تسعى لجمع تمويل بقيمة 50 مليار دولار لصالح OpenAI، ما أثار مخاوف من موجة إصدارات ديون ضخمة من عمالقة التكنولوجيا لتمويل سباق الذكاء الاصطناعي. وانعكس ذلك سلباً على أسهم Broadcom التي تراجعت تحت وطأة المخاوف، كما انخفضت أسهم Oracle التي تواجه هي الأخرى تساؤلات حول مستويات إنفاقها الرأسمالي وديونها المرتبطة بمشاريع الذكاء الاصطناعي.</p><p>وتكمن المفارقة في أن السوق الذي كان يحتفي قبل أشهر بالإنفاق الاستثماري على الذكاء الاصطناعي باعتباره محرك النمو المقبل، بدأ الآن يسأل عن الثمن: من أين ستأتي الأموال، وبأي تكلفة تمويلية في ظل عوائد سندات تتجاوز 5%؟ ويخشى المستثمرون من أن تتحول حمى الذكاء الاصطناعي إلى عبء على الميزانيات العمومية للشركات، وأن تآكل التدفقات النقدية الحرة قد يعيد تقييم مضاعفات الربحية المرتفعة التي تتمتع بها أسهم التكنولوجيا الكبرى.</p><h3>حتى الأخبار الجيدة لم تعد كافية</h3><p>ولم تنجح حتى الأخبار الإيجابية في انتشال المعنويات، إذ أعلنت شركة Samsung عن توجيهات أرباح قياسية، لكن السوق تجاهلها تقريباً في ظل هيمنة المخاوف الكلية. ويرى محللون أن هذا التجاهل للأخبار الجيدة على مستوى الشركات الفردية هو علامة كلاسيكية على الأسواق التي تقودها المخاوف الماكرو-اقتصادية: فعندما يكون السؤال الأكبر هو «إلى أين تتجه الفائدة والتضخم؟»، تصبح نتائج الشركات الفصلية تفصيلاً ثانوياً في حسابات المتعاملين.</p><p>وأغلق كل من مؤشر S&P 500 ومؤشر Nasdaq على انخفاض يوم الخميس، ليواصلا أداءً متذبذباً يعكس حيرة المستثمرين بين جاذبية النمو المرتبط بالذكاء الاصطناعي ومخاطر التشديد النقدي وارتفاع تكاليف الطاقة. ويتجه اهتمام المتعاملين الآن إلى بيانات التضخم المقبلة وأي إشارات جديدة من مسؤولي الاحتياطي الفيدرالي قد تحسم الجدل حول مصير الفائدة في ديسمبر.</p><h3>ماذا يراقب المستثمرون بعد ذلك؟</h3><p>تتجه أنظار المتعاملين في الأيام المقبلة إلى حزمة من البيانات والمؤشرات التي قد تحسم اتجاه السوق للفترة المتبقية من العام. في مقدمتها بيانات التضخم الجديدة، التي ستحدد ما إذا كان الارتفاع النفطي قد بدأ يتسرب فعلاً إلى أسعار المستهلكين، وأي تصريحات جديدة من مسؤولي الاحتياطي الفيدرالي قد تلمح إلى ميلهم النهائي قبل اجتماع ديسمبر. كما ستراقب الأسواق عن كثب تطورات ملف إيران وأي إشارات حول استقرار الإمدادات أو تصعيد إضافي، إذ إن أي مفاجأة جيوسياسية جديدة قد تدفع النفط إلى مستويات تزيد الضغوط التضخمية تعقيداً.</p><p>وعلى صعيد الشركات، يبدأ موسم إعلانات نتائج الربع الثالث خلال أسابيع، وسيكون اختباراً حقيقياً لقدرة الشركات الكبرى على الحفاظ على هوامش أرباحها في بيئة تكاليف مرتفعة. ويرى استراتيجيون أن السوق قد يشهد مزيداً من التذبذب حتى تتضح الصورة، ناصحين المستثمرين بالتركيز على الشركات ذات الميزانيات القوية والتدفقات النقدية المستقرة، بدلاً من مطاردة النمو بأي ثمن في بيئة لم يعد فيها المال رخيصاً.</p><h3>الوجه المزدوج لارتفاع النفط بالنسبة للخليج</h3><p>بالنسبة لدول الخليج المنتجة للنفط، يحمل الارتفاع الحالي في الأسعار وجهين متناقضين. فمن جهة، تعني الأسعار المرتفعة إيرادات نفطية إضافية تدعم الميزانيات العامة وتسرّع خطط التنويع الاقتصادي الطموحة، وتمنح صناديق الثروة السيادية سيولة أكبر للاستثمار العالمي. ومن جهة أخرى، فإن استمرار ارتفاع أسعار الطاقة يغذي التضخم العالمي ويدفع البنوك المركزية الكبرى نحو مزيد من التشديد، ما قد يبطئ النمو العالمي ويضغط على الأصول التي تستثمر فيها هذه الصناديق، فضلاً عن ارتفاع تكاليف التمويل لمشاريع البنية التحتية الضخمة في المنطقة نفسها.</p><p>كما أن قوة الدولار المصاحبة لارتفاع العوائد الأمريكية تفرض ضغوطاً غير مباشرة على اقتصادات المنطقة المرتبطة عملاتها بالدولار، إذ تستورد التضخم الأمريكي عبر سعر الصرف الثابت، بينما تستفيد في المقابل من ارتفاع القوة الشرائية للإيرادات النفطية المقومة بالدولار. وهي معادلة تتطلب إدارة دقيقة للسيولة والاحتياطيات.</p><p>الخلاصة أن الأسواق دخلت مرحلة جديدة عنوانها «تكلفة المال المرتفعة لفترة أطول»، مدفوعة بأسعار نفط لا تعرف التهدئة وتضخم يعاند التراجع. والرهان الأكبر الآن هو اجتماع ديسمبر للاحتياطي الفيدرالي: رفع إضافي للفائدة قد يعمّق جراح الأسهم لكنه قد يكون ضرورياً لكبح التضخم النفطي، بينما التريث قد يمنح الأسواق متنفساً مؤقتاً على حساب مخاطر تضخمية أكبر لاحقاً. وفي الحالتين، يبدو أن حقبة المال الرخيص التي غذت صعود الأسواق لسنوات قد ولّت إلى غير رجعة، على الأقل في المدى المنظور.</p>

عودة · أفق الإمارات